العنف الأسري هل هو وسيلة هدم أم وسيلة تهذيب وبناء؟   

 تُعد الأسرة اللبنة الأولى في بناء المجتمع، باعتبارها صاحبة الدور الأول في عملية التنشئة المبكرة للأفراد ( الأبناء ) وما تتركه من بصمات جلية في سلوك الأبناء، فالطفل هو نتاج الأسرة ولا تتوقف مسئوليات الأسرة حد توفير الحاجات الفسيولوجية والاقتصادية والثقافية للطفل فقط، إنما يتعدى الأمر إلى تأمين حاجاته النفسية والعاطفية من خلال التواصل الإنساني الفعَّال القائم على الحب واحترام الذات وتقديره، وليس من خلال استخدام أساليب العنف المختلفة، فتعرض الطفل للعنف ليس بالأمر اليسير على الأطلاق، كما يعتقد البعض، فقد ينسى الطفل ملامح الموقف الذي تعرض للعنف والضرب من أجله، وقد تختفي معالم تلك التجربة بأكملها، لكن من الصعب أن تختفي تلك المشاعر السيئة المصاحبة لهذه التجربة  التي عان  الطفل منها.

 وليس هذا فحسب فلا يتوقف الأمر حد يتذكر الطفل من عدمه، إنما قد يكون لتلك التجاوزات العنيفة مردودها في الميول والقناعات التي ستتشكل لدى الطفل فقد يُبني اعتقاد خاطئ لدى الطفل بأن العلاقات الإنسانية قائمة بالأساس على العنف والقسوة، فيلجأ إلى العنف والعدوانية في التعامل مع الأخرين من باب المحاكاة للطريقة التي تربي عليها، وهناك ارتباط وثيق ما بين العنف الأسري الموجه نحو الطفل والشعور بالوحدة النفسية، فالطفل الصغير لا يستطيع أن يفرق ما بين إذا ما كان تعرضه للضرب أو أيًا من أشكال العنف، هو بسبب أن التصرف الذي قام به سيئًا وغير لائق، وليس الطفل نفسه هو السيء،  فعدم مقدرة الطفل على التفرقة في تلك المراحل العمرية، وشعوره بالسوء حيال ذاته، يتسبب في شعوره بأنه غير مقبول اجتماعيًا، وهذا ما يتسبب في العزلة والانطواء والانغلاق على الذات.

هل يقتصر العنف الأسري على تعرض الطفل للضرب فقط؟

بالطبع لا، فالعنف الأسري يمتد ليشمل كافة الأفعال المباشرة وغير المباشرة التي يوجهها الوالدان أحدهما أو كليهما، ليوقع الأذى النفسي، أو الجسدي، أو اللفظي، أو الجنسي على طفله.

يمتد أثر العنف الأسري لينطوي على العديد من العواقب الوخيمة، التي تأخذ أشكال وصور متعددة، سواء جسدية أو صحية أو نفسية، لكن  العواقب النفسية تعد أهم وأكثر تلك العواقب خطورة، لكونها غير ملموسة وممتدة مع الطفل لبقية حياته.

أشكال العنف الأسري:

· العنف الجسدي: يشمل كافة التصرفات والسلوكيات التي تتصف بإساءة المعاملة الجسدية، سواء من خلال الضرب، اللكم، الحرق، أو أية طريقة  تلحق الأذى الجسدي بالطفل، حتى وإن لم يكن الهدف من خلال تلك التصرفات هو الحاق الأذى، والمغزى الأساسي منها هو التهذيب، فهي تعد أيضًا إيذاء للطفل وعنف موجه، واستخدام القوة من قبل الأهل يعكس مزيجًا من زيادة التوتر الانفعالي في الأسرة، وعدم الوعي بالبدائل الفعالة وأساليب التربية الحديثة، وفي النهاية أجلًا أم عاجلًا يزول الضرر الجسدي، لكن الأثر الانفعالي للتجربة والمشاعر المصاحبة لها لدى الطفل لا يزول.

· العنف النفسي والانفعالي: من الصعب نظريًا تقدير العنف النفسي الذي يتعرض له الطفل، لكنه يبدأ من الصرامة ورفض الأهل الابتسام في وجه الطفل أو التقليل من شأنه والرد على كلماته بالإهمال، ليشمل كافة السلوكيات الموجه التي تمنع الطفل أن يكون اجتماعيًا، وهناك بعض الصفات المختصة بتحديد إساءة المعاملة أو العنف الانفعالي: الحب المشروط والتهديد بالتخلي، الخذلان وعدم أهلية الوالدان ليكونا مصدرا للأمان والثقة، وصم الطفل والتقليل من شأنه، التجاهل والإهمال، التخويف والعزل عن من يحبوا بدون داعي، المسئولية الزائدة والتوقعات غير الواقعية التي لا تتناسب مع المرحلة العمرية للطفل وبنيته الجسدية.

· الإهمال: يعد أكبر مهدد اجتماعي للطفل، السبيل إلى إفقاد الطفل الثقة والأمان، وهو يشمل الإهمال الجسدي( من عدم قبول الطفل، التأخير في تقديم الرعاية الصحية، هجر الطفل، أو طرده من المنزل، عدم السماح للطفل الهارب للعودة إلى المنزل...الخ)، والإهمال التربوي( عدم تأمين حاجة الطفل التربوية، عدم التسجيل له في المدرسة، التراخي في تسربه من التعليم أو حتي التغيب عن الدراسة)، حتي يصل إلى الاهمال العاطفي ( عدم اشعار الطفل بالحب والقبول، الصرامة والقسوة في المعاملة، عدم محاورة الطفل أو مشاركته فيما يحب...إلخ) وقد يكون هذا الإهمال متعمد من قبل الأهل، أو ناجم عن الجهل والعرف الثقافي الذي نشأ عليه الوالدان.

· العنف الجنسي: من خلال استغلال الطفل من قبل الوالد الراشد لإشباع حاجاته الجنسية والشعور بالنشوة، وهو يتراوح من تداول الالفاظ البذيئة والإيحاءات، إلى حد اللمس والممارسة الجنسية الفعلية، أو إجبار الطفل على الممارسة الجنسية مع الأخرين بغرض الكسب المادي.

أثر العنف الأسري على الطفل:

- التبول اللاإرادي  وقضم الأظافر.

- اضطرابات في النوم، اضطرابات في الأكل.

- الشعور بالرفض الاجتماعي، والانطوائية والعزلة النفسية.

- انعدام الثقة بالنفس، وفقد الثقة والأمان في الأسرة أو الأخرين بصفة عامة.

- ضعف في القدرات اللغوية، أو قدرات التعلم بصفة عامة.

- المشاكل الجسدية والسلوكية المختلفة.

- خطر الإصابة بالسمنة وارتفاع الكوليسترول في الدم.

- ضعف التركيز.

- التمرد، والميول العدوانية، وممارسة العنف مع الأخرين أو إيذاء الحيوانات. 

- عدم قبول الذات والشعور المتدني باحترام الذات.

التربية السوية ليست بالفطرة كغريزة الأمومة والأبوة، فهي مكتسبة لها اصول وقواعد تقوم عليها بالأساس، وأخصب مرحلة للتهذيب والتنشئة هي المراحل المبكرة من الطفولة، لأنها تتميز بالتلقي والمرونة، لذا فلابد من أن تكون الركائز الأساسية للتربية في تلك المرحلة تقوم على الحوار وإغداق الحب والعطف وليس على الحزم والقسوة والحرمان العاطفي والجفاء، لكن دون إفراط أو تفريط، فلابد من التوجيه لإفهام الطفل الخطأ، والشرح المبسط لما هذا التصرف يعد سيئًا وغير لائقًا، ومن ثم التوجيه للسلوك الصائب والتكرار حتى يعتاد الطفل السلوك السليم. 
المصادر:
www.edarabia.com
www.thehotline.org